اسماعيل بن محمد القونوي
184
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
إنكارهم أو ترددهم لزعمهم أن إيمانهم بالإخلاص أمر جلي يزول إنكار المسلمين أو ترددهم بأدنى تأمل كما بين هكذا في فن البلاغة في مثل هذا الإنكار لكن هنا مبني على الزعم والرغم ( وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه ) وأما خطابهم شياطينهم فقصدوا فيه إلى إفادة ثبات ما كانوا عليه مع أنهم منكرون ذلك كإحداث الإيمان باللسان فأكدوا بإيراد الجملة الاسمية مع حرف التحقيق دفعا لما خطر ببالهم من مخالطة المسلمين والموافقة في أحكام المخلصين وتركهم اليهودية باطنا كما تركوها ظاهرا فأوردوا تلك الجملة دفعا لذلك . قوله : ( ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق رغبة ) وأجاب ثانيا بأن التأكيد كما يكون لإزالة الإنكار والتردد يكون لصدق الرغبة وفرط النشاط والمحبة كقول الداعي رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا [ آل عمران : 16 ] الآية . وترك التأكيد قد يكون لعدم الرغبة والرواج ولما لم يكن صدق رغبة لهم فيما ألقوا المؤمنين لم يؤكدوا الجملة الأولى ولما كان لهم فرط رغبة ( فيما خاطبوا به المؤمنين ) أكدت الجملة الثانية . قوله : ( ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين قوله : ولأنه لم يكن له باعث الخ يعني تجيء كلمة إن تارة لرفع الانكار أو الشك من المخاطب وتارة تجيء لتدل على أن للمتكلم صدق رغبة فيما يورده من الكلام مثل رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا [ آل عمران : 16 ] وههنا لم يكن للمنافقين صدق رغبة في الإخبار عن أنفسهم بالإيمان ولم تساعدهم أنفسهم على ذلك لم يقولوا في مخاطبة المؤمنين إنا مؤمنون معكم باسمية الجملة والتأكيد بأن كما قالوا في خطاب الكفرة إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] . قوله : ولا توقع رواج فإنهم لو قالوا في خطاب المؤمنين إنا مؤمنون كان ذلك منهم ادعاء كمال في الإيمان وهو لا يروج ولا يتقبل عند المؤمنين وكيف يتقبل ذلك منهم وهم يخاطبون به المؤمنين بين أظهر المهاجرين والأنصار وكيف ادعوا الكمال عليهم في الإيمان والحاصل أن ترك التأكيد كما يكون لعدم الانكار من طريق المخاطب فقد يكون للعدم الباعث والمحرك من قبل المتكلم ولعدم الرواج والقبول من جهة السامع وكذلك التأكيد كما يكون لإزالة الشك ونفي الانكار فقد يكون لصدق رغبة المتكلم في كلامه ووفور نشاطه فيه ونيل الرواج والقبول من السامع فلذا قالُوا آمَنَّا [ البقرة : 14 ] بالجملة الفعلية من غير تأكيد و إِنَّا مَعَكُمْ [ البقرة : 14 ] بالجملة الاسمية مؤكدة بأن قال الزمخشري فإن قلت لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية وشياطينهم بالاسمية محققة بأن قلت ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين واوكدهما لأنهم في حدوث ادعاء الإيمان منهم وإنشائه من قبلهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم وذلك إما لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية وصدق رغبة واعتقاد وإما لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة وكيف يقولونه ويطمعون في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين والأنصار الذين مثلهم في التورية وفي الإنجيل ألا ترى إلى حكاية قول المؤمنين رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا [ آل عمران : 16 ] وأما مخاطبة إخوانهم فيهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية